السيد محمد تقي المدرسي

71

الفقه الإسلامي (تعليقات على العروة الوثقى ومهذب الأحكام)

لكن الجواز لا يخلو من قوة بشرط العلم بكونه قابلًا للعلاج ، والعلم بأن ترك معالجته يؤدي إلى الهلاك أو إلى ما يدانيه والعلم بانحصار العلاج به بالمعنى الذي ذكرناه . نعم ، لا يخفى شدة أمر الخمر فلا يبادر إلى تناولها والمعالجة بها ، إلا إذا رأى من نفسه الهلاك لو ترك التداوي بها ، ولو بسبب توافق جماعة من الحذاق وأولي الديانة والدراية من الأطباء ، وإلا فليصطبر على المشقة فلعل الباري تعالى شأنه يعافيه لما رأى منه التحفظ على دينه ، فعن الثقة الجليل عبد الله بن أبي يعفور أنه قال : ( كان إذا أصابته هذه الأوجاع فإذا اشتدت شرب الحسو من النبيذ فسكن عنه فدخل على أبي عبد الله عليه السّلام فأخبره بوجعه وأنه إذا شرب الحسو من النبيذ سكن عنه ، فقال له : لا تشربه ، فلما أن رجع إلى الكوفة هاج به وجعه فأقبل أهله فلم يزالوا به حتى شرب ، فساعة شربه منه سكن عنه ، فعاد إلى أبي عبد الله عليه السّلام فأخبره بوجعه وشربه ، فقال له : يا بن أبي يعفور لا تشرب فإنه حرام ، إنما هو الشيطان موكل بك ولو قد يئس منك ذهب ، فلما أن رجع إلى الكوفة هاج به وجعه أشد مما كان فأقبل أهله عليه ، فقال لهم : لا والله ما أذوق منه قطرة أبداً ، فأيسوا منه أهله فكان يهتم على شيء ولا يحلف وكان إذا حلف على شيء لا يخلف ، فلما سمعوا أيسوا منه ، واشتد به الوجع أياماً ثم أذهب الله به عنه فما عاد إليه حتى مات رحمة الله عليه ) . ( مسألة 38 ) : لو اضطر إلى أكل طعام الغير لسد رمقه وكان المالك حاضراً ، فإن كان هو أيضاً مضطراً لم يجب عليه بل لا يجوز له بذله ، ولا يجوز للمضطر قهره ، وإن لم يكن مضطراً يجب عليه بذله للمضطر ، وإن امتنع عن البذل جاز له قهره ، بل مقاتلته ، والأخذ منه قهراً ، ولا يتعين على المالك بذله مجاناً فله أن لا يبذله إلا بالعوض ، وليس للمضطر قهره بدونه ، فإن اختار البذل بالعوض فإن لم يقدّره بمقدار كان له عليه ثمن مثل ما أكله أو مثله إن كان مثلياً ، وإن قدّره لم يتعين عليه تقديره بثمن المثل أو أقل ، بل له أن يقدره بأزيد منه ، وحينئذ إذا كان المضطر قادراً على دفعه يجب عليه الدفع إذا طالبه به ، وإن كان عاجزاً يكون في ذمته يتبع تمكنه ، هذا إذا كان المالك حاضراً وأما إذا كان غائباً فله الأكل منه بمقدار سد رمقه وتقدير الثمن وجعله في ذمته ولا يكون أقل من ثمن المثل ، والأحوط المراجعة إلى الحاكم لو وجد ومع عدمه فإلى عدول المؤمنين . ( مسألة 39 ) : يحرم الأكل على مائدة يشرب عليها شيء من الخمر بل وغيرها من المسكرات وكذا الفقاع ، بل ذهب بعض العلماء إلى حرمة كل طعام يعصى الله تعالى به أو عليه .